الشيخ محمد هادي معرفة
373
التفسير الأثرى الجامع
والآن فلنشاهد المنظر الآخر ، المقابل لمنظر قلب المرائي العاثر ، فها هو قلب عامر بالإيمان ، نديّ ببشاشة ، ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه ، وينفقه عن ثقة ثابتة في الخير ، نابعة من الإيمان ، عميقة الجذور في الضمير . وإذا كان القلب الصلد وعليه ستار من الرياء ، يمثّله صفوان عليه غشاء من التراب ، فالقلب المؤمن تمثّله جنّة ، جنّة خصبة عميقة التربة في مقابل . قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . هذا هو المنظر الآخر المقابل للمنظر الأوّل - كان منظر قلب مراء عاثر - وها هو قلب مؤمن عامر بالإيمان ، نديّ ببشاشة ، ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه ، حيث الخير كلّه في رضاه تعالى . وكذلك ينفق ماله لتثبيت نفسه ، ليكون على ثقة من دينه وترسيخ إيمانه باللّه تعالى . فلا يعمل لغير رضاه تعالى ، ويجهد بكلّ عزمه في سبيل بثّ الخير وفي صالح المجتمع العام . فمثله كمثل جنّة خصبة عميقة التربة - في مقابل حفنة التراب على الصفوان - جنّة تقوم على ربوة : أرض ذات صلاحيّة للزرع والنماء . في مقابل حجر صلد أجرد . وهذه الأرض الطيّبة يزيد في خصبها ونماء زرعها ، هطول الأمطار عليها بغزارة ، من غير خوف الفساد ، حيث ثبات جذور الزرع والنبات ، الأمر الّذي جعل المنظر متناسق الأشكال ، فإذا جاء الوابل ، لم يذهب بالتربة الخصبة هنا ، كما ذهب بغشاء التراب هناك ، بل أحياها وأخصبها وأنماها . ومن ثمّ عندما أصابها وابل ، آتت أكلها - ثمرها - ضعفين . أحياها كما تحيي الصدقة قلب المؤمن المعوز ، فيزكو ويزداد صلة باللّه . ويزكو ماله كذلك ويضاعف اللّه ما يشاء . وكما تزكو حياة الجماعة المسلمة بمثل هذا الإنفاق - الخالص لوجه اللّه - وتصلح وتنمو . وحتّى فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ مطر غزير ثقيل القطار ، فَطَلٌّ الطلّ : ضعيف المطر ورذاذه . الأمر الّذي يفي بتبليل الأرض الخصبة ويكفي في إنمائها . حيث القابليّة المؤاتية تتجاوب مع أقلّ الإمكانيّات . وهكذا تزكو الصدقات وتنمو بركاتها ، مهما تواجدت شرائطها متوفّرة أو مقصورة . وكما قال سيّد قطب : بحقّ إنّه مشهد كامل ، لمنظرين متقابلين متناسقي الجزئيّات ، مشهد